إصلاح وتغيير حاله ضرب مِن المُحال

 

وطني 100

30 يناير 2010م دأبت العرب على إطلاق الإسم الحسن على الشيء القبيح تجملا ً او تفاؤلا ً ، حسب ما يقتضيه الحال . سموا الصحراء المُهلكة مفازة ، تفاؤلا ً لمن يفوز بالنجاة منها ، والمرأة القبيحة الشوهاء خوفا ً عليها من ( العين )

بل وصل بهم الامر الى إطلاق لفظ كريم العين على الاعور. وفى ليبيا اطلق لفظ البياض على الفحم الاسود. فى ليبيا ايضا ً اطلق لقب المُفكر ، والدكتور ، والمهندس والناقد والنجم الثاقب وغيرها من القاب لا تُعد ولا تُحصى بمجانية وبسخاء لا حدود له على القذافي ، دون الإهتمام بمصداقيتها او بمفاهيمها الدقيقة التى عنتها . الجميع يدرك بطبيعة الحال ان القذافي ابعد ما يكون عنها كلها ، سواء على المستوى المعرفي ،التطبيقي ، الاخلاقي او العقلي ، بُعد المشرق عن المغرب . هذه قناعتي كلما شاهدته او أستمعت اليه ...

 

خطابه ، مداخلته ، زيارته ، ترشيده ،او مفاجأته ، ايا ً ما كانت تسمية طلته ، فأنه كان بها صادقا ً بتوجيه رسالة صريحة وواضحة المعالم والخطوط والاحرف والسطور ، لا لبس فيها ولا شيه . مفادها ان جميع الإشاعات التى سمعنا عنها بخصوص التغيير والإصلاح وإحترام مباديء حقوق إنسان وحرية تعبير وحريات عامة ودستور سامي يحفظ الحقوق ويرسي مباديء العدل والعدالة ، وإحترام اقليات ، كلها وساوس وعبارة عن مجرد اّمال مستقبلية واحلام نرجسية ، بل ضرب من ضروب الخيال . ليفيق الجميع من غفوتهم واحلامهم الوردية التى منّوا النفس اللئيمة بها ، على الواقع الملموس والحقيقي الناطق بأن كل ما اشيع ويشاع كان مجرد شعارات كاذبة لمرحلة ما ، ومجرد فضفضة كلامية ، ومجرد سمر مجالس وغرف بالتوك .

 

كلام القذافي أتى ليكسر ويذيب قوالب الثلج وينفض الغُبار عن أحلام غُطيت بأمال وقيم ومباديء ، كانت غائبة وستظل غائبة عن الوطن . إن إسترجاع ذكريات 40 سنة ماضية تؤكد انها نفسها بكل ما فيها من مد بلا جزر ، وأوامر بلا نقاش ، وتلقين بلا حوار وتسيُدّ بلا مُنازعة وان السلطة سلطة القذافي وحده ولا سلطة لسواه . وأن سلطة الشعب مجرد كذبة الشهر الرابع من كل سنة من السنوات ...

 

ما يثير (القرف) بنفسي ، هو أن يستمر حوار الإصلاح النخبوي ، وأن يُستمر بممارسته تحت قبب رسمية لها علاقة بمن يتحكم بمقاليد الحكم بالبلاد ، واقصد به سيف ابن بيه ، الذي يتشدق بهذا اللفظ ، او من خلال رموز تدعي الثقافة مثل الشلوي والدين مثل الصلابي وغيرهم الكثير ممن ركب هذه الموجة على إختلاف مشاربهم وتطلعاتهم .اثبت لقاء القذافي بأعضاء حكومته ، أن الإصلاح ابدا ً لن يتحقق ، والتغيير ابدا ً لن يحدث . مؤشر هذا اللقاء الذي كان جليا ً وواضحا ً ، اعطانا بُعدا ً واضحا ً عن الحقيقة وانه لا سلطة سوى سلطة القذافي ، وانه بحذائة القذر يعلو ويدوس على القانون ، وان مبدأ فصل السُلطة القضائية عن التنفيذية ضرب من ضروب الخيال والجنون . بلد التريليونات ، يبحث ابنائها عن وظائف وتضج شوارعها بالبطالة . تهريب ومُخدرات وجيوش وقوافل من العمالة غير القانونية المُتسيبة ، كلها نتيجة تسيب البلاد بالسابق ، لتهجم علينا مثل الطاعون . عليه ما على الشعب الليبي سوى أن يترك الوطن و يتوجه الى افريقيا للتزوج بمئة حورية عين سوداء . او الى اوروبا متجاهلا ً انه يقود حرب الهجرة الى هذه القارة بسبب الفقر. وأن الرقابة على وسائل الإعلام يجب ان تكون من خلال (شرائح) من المُجتمع قاصدا ً لجانه الثورية التى اقر بملكيتها وسيطرتها على الإعلام الموجود الأن وهذا إعتراف ضمني بعدم وجود إعلام حُر مادام مملوكا ومُسيطرا عليه من قبل اللجان الثورية . وانه ليس هناك ما يُعرف بمؤسسات المجتمع المدني ، لانها تُمثل القوة . خاتما توجيهاته بأنه علينا أن ندبروا حالنا بخصوص تفاقم الوضع الخاص بوجود ما يٌسمى بذوي الدخل المحدود والعودة الى التدريب العكسري والشعب المسلح ، مستخدما اياها كأداة تهديد بمعني ( اتركوا البلاد وهجوا والا ندخلكم للجيش ) تهديد ضمني . وظيفة القيادة هى إفراز مزيدا ً من القادة وليس مزيدا ً من الاتباع . لِقاء الامس كان واضحا وجليا بأنك القائد الوحيد لمجموعة من الاتباع. سقط القذافي بضرب المثل بالتخطيط والتصميم وإتخاذ القرار وتنفيذه ومراقبته ومُتابعته ، فأين موقع فشله هذا مِن الإعراب ؟ مُجرد ببغاء يتحدث ولا يصنع .

فماذا يريد من حمل بوق الاصلاح بعد كل هذا ؟ أين الخير ؟ وما التغيير في كل ما صرح به؟ واين بشائرهم الكاذبة ؟ هؤلاء الذين انخدعوا بلفظة الإصلاح ذاتها ، والذين بدأ الأمر لهم ان الإصلاح سيكون له أثار قوية فى مسار الصراع الذي نشهده بأرضنا. وأن عهدا ً جديدا ً سيلوح فجره يحمل حلولا ً جذرية لإزماتنا المتفاقمة ، وليعيد الينا حقوقنا المسلوبة . اسفرت شمس الحقيقة امس بالجلسة النهائية لمؤتمر( الشغب) العام عن الواقع المُر وعن اضغاث احلامهم .

 

مؤتمر الشغب العام ، بحضوره جميعهم وبالشناقة التى تأسدت عليهم ، عبارة عن كُتلة بيروقراطية من الاراء والفلسفة ، تتمحور حول أفكار كاذبة خيالية ، ولإلهام فردي ، وتهيأت رجل مريض بالفصام ، لتنتهي مجرد أكياس من الورق والإجتماعات واللجان والاف اللجان المُنبثقة المولودة من رحم هذه وتلك . نتائج احلام القذافي ولو على طرف من اطراف اية مدينة ليبية ، تقودنا الى الفوضى والفساد والتأخر والتدليس والإقصاء بالمؤتمرات الشعبية لكل بلدية حيث شراء الاصوات والتعيين الفوقي والمُعد سابقا ً بالكواليس والمفروض بقوة السلاح والمرسوم لمن يتقلد القيادة الشعبية ، اى بالتعيين الذي اختير له لفظ ( ترشيد ) كما حدث بدرنه والبيضاء وبنغازى ومعظم مدن وطننا المضحوك عليه بالنظرية التي اثبتت فشلها وتثبته كل يوم .

 

من ركب موجة الإصلاح ، عليهم بتغيير دفتها الأن الى وجهة اخرى ، الى حيث يتواجد عامة الشعب المغلوب على أمره .على نخبة الإصلاح ، إذا ارادوا إصلاحا ً ، اصلح الله حالهم ، ان يشمروا على سواعدهم وسراويلهم ، ويلبسوا شورتات وينزلوا الى الميدان حيث المدارس المُتهالكة والتى تحتاج الى ترميم وبناء ، والى الشوارع ليقوموا برصفها، والى المُستشفيات بمحاولة السعي لإيجاد الدواء . او أن يتواجدوا أمام الميادين حيث يتظاهر اصحاب الحق مثل اهالي ابوسليم ، ليرفعوا معهم عقيرة اصواتهم ويطالبوا برفات من تم تنفيذ حكم الإعدام عليهم رميا ً بالرصاص خارج نطاق القانون . على هؤلاء ، إصلاح كل قطاع تعرض لاية تشويه ولم يبرأ منه . الامل بأصلاح حال البلاد بالسواعد وبالعرق وليس بالاّلسن والشِفاه خارج حدود ليبيا ! على هؤلاء ان يكفوا عن مساعدة هذه العائلة المتغطرسة وأن يقطعوا عونهم ودعمهم للطاغية وابنائه ولو معنويا ً . عليهم بالوقوف بجانب شعبهم الذي بدأ يستيقظ من غفوته والذي ضاق ذرعا ً بمسرحيات العقيد الحقيد على شعبه ، الذي ساسهم بالكرباج وقمعهم بألاته البوليسية .

 

خِتاما ً:

اقدر صراحة القذافي التى ظهر بها علينا ، الرجل لا يكذب . التزم المصداقية ، ظهر ليقول نا هو نا لم ولن اتبدل . تمسكه بمبادئه وبحقه وبحق فريقه السياسي ( اللجان الثورية ) بتسيير دفة البلاد بالتمسك بنفس اعضاء الحكومة طيلة كل هذه السنوات دون تغيير بالوجوه . تمسكه بأختيار موقعه الذي يناسبه ويناسب تطلعاته وتبني شعاراته التى لن يحيد عنها أبدا ً . وأن مصلحة وسلامة الشعب الليبي تأتي بعد( مصلحة الشعب) ، اى مصلحة القذافي وعائلته وحاشيته وهي فوق القانون . تخلي القذافي عن مبادئه يعني إلغاءها و ولا تعني لغة تطوير او تحسين بالمفاهيم ، فهذا امر يفوق قدراته . القذافي ظهر علينا كما عهدناه ، هو نفسه، لازال لا يستحي على دمه، الذي يبدو انه لا يملك منه قطرة واحده ..

 

التغيير قادم لا محاله . ولكن ليس على يد النظام . بل من داخل الشعب الليبي الواقف على فوهه بركان يريد الإنفجار .عن طريق اصوات المظلومين التى تتزايد عقيرتها كل يوم .عن طريق اصوات الكادحين . وعن طريق اصوات من يلتحف السماء بالعراء .في وعي الشعب وتطلعاته الى غدا ً افضل . تسألوني متى هو ، اقول اراه قريب وعساه قريب ......

وطني 100

2010-01-29

 

     
أضف تعليق
قيم هذه المقالة
  تعليقات



     


CAPTCHA image
ادخل الشفرة

   
     Login